ابن عربي
217
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
هو التطأطؤ ، وهو نزول من أعلى إلى أسفل ، وبه سمي الساجد ساجدا ، لنزوله من قيامه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 145 إلى 146 ] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ » فإنهم مصدقون بكتابهم وهذا النعت فيه وقد أبصروه ، فيعلمون أنه عين هذا النعت ولا يعرفون الشخص الذي قام به
--> لما كانت اليهود تقول ما بال محمد يتبع قبلتنا ولا يتبعنا في ديننا ، ثقل ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلم حيث نسبوه إلى اتباعهم في أمر ، وخاف على الضعفاء في إيمانهم من المؤمنين أن تتعلق بقلوبهم شبهة من ذلك تقدح في إيمانهم ، وكانت الكعبة قبلة إبراهيم أبيه عليه السلام ، ومن ملته التوجه إليها ، فكان يختارها على سائر الجهات من الأماكن ، فكان يستقبل السماء لكونها محل الدعاء شرعا ، ويكثر تقلب وجهه فيها في عموم أوقاته عسى أن يكون ذلك التقلب شرطا في علم اللّه في صرفه إلى الكعبة ، فكان يقلب وجهه في السماء حسا ووجه قلبه فيما يسمو من معالي الأمور مما يظهر به شرفه ، إذ كان البيت أشرف البيوت ، فقال اللّه له : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ » يعني في طلب استقبال الكعبة « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ » يقال : وليته كذا إذا جعلته واليا عليه « قِبْلَةً تَرْضاها » أخبر الناس باعتنائه به حين لم يعمل ذلك مع غيره ، قال تعالى : [ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ] واستقبال الكعبة منها ، فما كره استقبال بيت المقدس ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم يستحيل عليه أن يكره ما شرع له وإنما كان ذلك لما ذكرناه ، فأمره سبحانه وأوجب عليه ليكون الأجر أعظم بإتيان الواجب ، فإنه يقول : [ ما تقرب إليّ أحد بأحب إلي من أداء ما افترضت عليه ] فقال له : « فَوَلِّ وَجْهَكَ » في الصلاة ، ونزلت وهو في صلاة الظهر في شهر رجب قبل قتال بدر بشهرين ، فتحول في الصلاة بعد أن صلى منها ركعتين واستقبل الكعبة ، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ، وسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين ، وهو مسجد بني سلمة ، وقوله : « شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » أي ناحيته ومواجهته ، والمسجد الحرام هنا إنما هو الكعبة خاصة ، ونصبه على الظرف ، ولا وجه لمن قال